الشيخ محمد جواد البلاغي

63

الهدى إلى دين المصطفى

وهاك دلالة القرآن ، وبيان الحقائق لكي تعلم أن فلسفة القرآن لا يمكن أن تصدر من مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير الوحي الإلهي فاعلم أن الميدان ليس هو الحركة مطلقا ، وإنما هو التزلزل والتزعزع بالحركات المتفاوتة إلى جهات مختلفة على التتابع بواسطة القاسر فهو غير الحركة الطبيعية التي تثبتها الهيئة الجديدة للأرض . . ولكن لما اقتضت الحكمة الإلهية إيداع الحرارة المتحركة وأبخرة البحار في جوف الأرض لكي تتولد بسببها المعادن والفلزات ، وتتصعد بها مجاري العيون لعمارة المسكونة ، جعل لها منافذ مرتفعة عن السطح المعمور وفتح فيها بحكمته أفواه البراكين ، ومنافذ الينابيع ، وتعاهد بالمطر ودوام الثلج عليها فتح مسامها ، كل ذلك لكي تتوجه إليها بسبب ارتفاعها وانفتاح منافذها تلك القوى النارية السيارة في جوف الأرض لتنفذ من خلالها بدون أن تصدم بعاديتها شيئا من المعمور ، ولولا ذلك لاستدام الزلزال في السهل المعمور واستمر الميدان وسلب القرار بسبب ميل القوى النارية إلى الخروج من الأرض بحدتها العنيفة فيعم الضرر في المعمور وساكنيه بشيوع الزلزال ، فالجبال من أجل هذه الحكمة البالغة هي المانع من شيوع الزلزال في الأرض والحافظة لها من أن تكون مائدة . ألا ترى القوى النارية مع هذه المنافذ لها في الجبال كيف تزلزل سطح المعمور وتميده إذا اقتضت الحكمة خروجها منه ، بل قد يستتبع خروجها منه الخسف والانفجار الناري والمائي . ولعل الحكمة في ذلك إرهاب الخلق به لئلا يأمنوا بطش الله فيطغوا ويبغوا ، وإشعارهم بالنعمة عليهم بخلق الجبال وحكمتها البديعة في كونها حافظة للمعمور من هذا البلاء العظيم ، كما صرح بذلك القرآن الكريم فأظهر الله حكمته ورحمته وامتن على الناس بحفظهم من ميدان الأرض المزعج المخرب فضلا عن الخسف والانفجار . . بل قد تساعد الفلسفة والاعتبار على أن نقول : إن الجبال بطبعها موجبة لميل القوى النارية إليها والخروج منها ، وإن كانت صخرية ليس فيها براكين ولا ينابيع . وقد امتن الله أيضا على عباده بجعل الجبال راسية في مواطنها